مذبحة الاحتمال
أسوأ ابتلاء ليس الفقد،ولا الفقر، ولا الخذلان كما يروّجون…
أسوأ ابتلاء أن تُبتلى بالعقل حين يرفض أن يكون مأوى، ويُصرّ أن يكون ساحة حرب.
أن تكون إنسانًا لا يفكّر… بل يُستنزَف بالتفكير.
أن لا تمرّ فكرة مرور الكرام،كلّ فكرة تُفتَّش، تُعرّى، تُستجوب،ثم تُعدم أو تُسجن في زاوية من الرأس لا تنام.
العقل هنا لا يعمل،العقل ينهش.
كأن في الجمجمة طاحونة لا تطحن القمح بل الاحتمالات، لا تنتج خبزًا بل أسئلة بلا شهية. تسأل: لماذا قالها هكذا؟ ثم: لماذا لم يقلها؟ ثم: ماذا لو قالها ولم أفهم؟ ثم: ماذا لو فهمت زيادة عن اللزوم؟ ثم: هل أنا المشكلة أم المشكلة تحب أن تسكنني؟
ألف سؤال يخرج من سؤال واحد، كأن السؤال أمّ عقيمة لا تلد إلا أشباحًا.
غرفة؟ أي غرفة يا أمّي…
لو رأيتِ رأسي لطلبتِ منه أن يخرج من البيت. فوضى لا تُرى، جدران من أفكار متراكبة، سقف من سيناريوهات لم تحدث، وأرضية من ندم على أشياء لم أفعلها أصلًا.
مخي ليس مكانًا، إنه زمنٌ مكسور. الماضي فيه لا يموت،والمستقبل يتكاثر كالأرانب، والحاضر؟ يُدفن حيًّا كل خمس دقائق.
أفكّر حتى في التفكير: هل أفكّر لأنني ذكي؟
أم لأنني خائف؟
أم لأنني لا أثق بالسكوت؟
الصمت عندي ليس راحة…الصمت احتمال مؤجل لانفجار داخلي.
أحلّل الوجوه أكثر مما ينبغي،النبرة،الوقفة،الفراغ بين الكلمتين، الـ “آه” التي لم تُقال.أقرأ الناس كما تُقرأ كتبٌ بلا فهرس،وأضيع في الهوامش.
كل تفصيلة عندي تملك حقّ الوجود،حتى التفاهة تحتاج تفسيرًا،وحتى العابر يصبح قضية وجودية.لا شيء “يمرّ”.كل شيء يستقر ثم يبدأ بالحفر.
أنا لا أعيش اللحظة،أنا أشرحها.أفككها.
أحلّلها بعد فواتها،وأجلد نفسي لأنني لم أتصرف فيها كما يجب وفق سيناريو لم يخطر لي إلا بعد انتهائها.
العقل التحليلي ليس نعمة،إنه عدسة مكبّرة ملتصقة بالعين،تريك القبح بتفاصيله المجهريةوتمنعك من رؤية المشهد كاملًا.
تتعب؟نعم.
لكن التعب هنا ليس جسديًا،هو إرهاق وجودي.
كأنك تحمل دماغك بيديك طوال اليوم وتخاف أن تضعه لأن الأفكار قد تهرب وتعود أكثر شراسة.
أحيانًا أتمنى بلادة بسيطة، غفلة صغيرة،فكرة واحدة فقط…
لكن رأسي لا يعرف الواحد،هو نظام عشري من القلق.
أسوأ ابتلاء أن تكون واعيًا أكثر من اللازم،أن ترى ما لا يجب أن يُرى،أن تفهم ما كان من الأفضل أن يُساء فهمه،أن تحفر في العمق
ثم تكتشف أن العمق لا يحتوي كنزًا…بل فراغًا ذكيًا يعرف كيف يقنعك بالبقاء فيه.
هذا ليس جنونًا،هذا عقل يعمل دون فرامل، يفكّر لأنه لا يعرف كيف يتوقف.ويزداد الأمر سوءًا حين أبدأ بتسمية ما يحدث داخلي،لأن إعطاء الشيء اسمًا يعني الاعتراف بوجوده…وأنا مليء بكائنات لا يجب الاعتراف بها.
هذا ليس تفكيرًا،هذا تلوّث ذهني مزمن.
أفكار تتكاثر كالعفن على جدران الوعي،لا رائحة لها،لكنها تقتل الهواء.
عندي ما أسميه:متلازمة التشريح القهري للمعنى حيث لا يُسمح لأي كلمة أن تموت طبيعية،يجب فتحها،تكسير عظامها،معرفة ماذا كانت تقصد حقًا حتى لو لم تكن تقصد شيئًا.
وعندي أيضًا:انحطاط الاحتمال الأعظم وهو مرض يجعل أسوأ تفسير هو الأكثر منطقية،والأكثر إقناعًا،والأكثر إذلالًا للنفس.
أما أفكاري؟فليست أفكارًا…إنها كلاب جائعة مربوطة في رأسي
لا تنبح،بل تهمس.والهمس أخطر،لأنه يدخل دون مقاومة.
أفكاري لا تضربني،تجعلني أضرب نفسي بها.
تعطيني السوط وتقول:“اضرب، أنا فقط أذكّرك.”
كل فكرة تمشي عليّ كحذاء عسكري على وجه مستلقٍ.
لا تقتلني، تتأكد فقط أنني أتذكّر موضعي.
أعيش في مقبرة الاحتمالات حيث كل ما كان يمكن أن يكون مدفون بجانبيويهمس لي ليلًا: “لو فعلت غير ذلك… لكنت شخصًا آخر.”
وعقلي؟سيد قذر، لا يعمل إلا إذا أذلّك أولًا.
يقول: “خلّيك ذكي… بس ادفع الثمن.”
والثمن هو النوم،السكينة،العفوية، وحتى الحق في الخطأ.
أنا عبد التفاصيل.
أركع أمام فاصلة،أُهان بنبرة،أُصلب على سوء فهم بسيط.
تفصيلة صغيرة عند غيري تتحول عندي إلى محكمة عسكرية داخليةلا محامي فيها ولا حق استئناف.
حتى نفسي لا تسلَم مني. أراقبها كجلّاد محترف، أفتش نواياها، أشكّك في دوافعها،وأتّهمها بالزيف حتى تثبت العكس…وهي لا تعرف كيف تثبت.
أحيانًا أشعر أن رأسي غرفة تعذيب فكرية لا دم فيها، لكن الإذلال كامل.أُجبر على الجلوس أمام ذاتي،مكبّل بالوعي،وأُسأل نفس السؤال ألف مرة دون أن يُسمح لي بالإجابة.
وأبشع ما في الأمر؟ أنني أفهم كل هذا. أحلّله. أشرحه.وأفشل في إيقافه.
هذا ليس عقلًا،هذا ذكاء بلا رحمة.شفرة حادّة وُضعت في يد شخص يرتجف.
لو رأيتِ مخي يا أمّي،ما قلتي “الله يشفيه”، كنتِ ستطفئين الضوء وتغلقين الباب وتتمتمين:“هذا مكان لا يُسكن…هذا مكان يُحتمل فقط.
مؤمن احمد قاسم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق