شقيقُ روحي ..
"لا تدري كَم جوقتي تُؤلِمُني عَليك، كَم أنّ القَلبَ يخفِقُ خَوفًا وخَشيَةً على أن تُصيبَكَ ضَرّاءَ تأخُذك قَبل الهَدي. أخي الحنينُ في رُوحي يقتُلُها بوحشيّة، وحُلُمي لا يترِكُ التّفكير فيك. قُل لي ما الذي جَعَلَك بكُلّ هذه القَسْوة؟ من الذي صيَّرَ قَلْبَك الرّقيقُ صَخرَةً لا تعلمُ الرّحمة؟
من ذا الذي قَتَل فِيك شَمْس الهِدايَة وأطفَأَ نُجُومك السّرمدِيّة؟ ما الذي أركَعَ هَواجِس رحمَتِك؟ قُل لي، من ذا الذي أتيتَهُ ملاكًا وأضحَيْتَ على يديْهِ شَيطان أبتَر؟لأجلِك يا أخي ضَحَّيت، قاتلتُ حتّى القدَر الذي جابهَني بِحزْم، كان يُريدُ يا أخي انتِشالَك مِنّي، كان يبنِي حُلمهُ الأشعَث على أوتارِ بُعدِنا وشَوْق قَلبي المُنهَك مِن عَناءِ اغترابِك! مضَت أيّامٌ عديدةٌ على بُعدِك، أيّامٌ ثِقالٌ جدًا يا أخي، كانت تمضي على رُوحي بصورَةٍ وحشيّة، وعَقاربُ السّاعةِ تنفُثُ سُمّها باللاوُجودِ بلا معنًى ولا فائْدة. لكنّ الذي مرّ لم يَعُد أيّامًا فَقط، لسَبعةَ عَشرَ عامًا وأنا أُواسي قلبي الصّغير بما أذكُر من صَوتِك، لم تكُن تدري كم أنّ ذكراكَ كانت تَفيضُ على رأسي بِمياهٍ من الجّنّة!
مبتُور الجناح أسيرُ عاجِزًا باحِثًا عنك، شَقَقْتْ السُّبُل كُلّها والوديان والكُهوف مِرارًا، حتى باتَت الأرْضُ تُقسِم: لم أنتَعه، صدّقني!
قاتلتْ يابن أمّي بجسارَة، قاتَلتُ وكأنّما ذِئبٌ يُريدُ استرجاع ضَناه الغائِب عن حضْنِه، يُعارِكُ بعنفٍ وَعَيناهُ تَدمع، وداخِلُهُ هشٌّ جدًا يا أخي، هشاشَتُهُ مُرعِبة! لقد طُعنتُ في أُصولِ قلبي، وحلَّقَ عقلي في سَماءِ الضّياعِ والوهنِ والعَجزِ المًحتدَم! جميعُ خسائري كانت بَخسة بِوجودِ ألَم فَقدِك المُرَوِّع، كُلُّها بلا معنًى، يا شقيقُ رُوحي لا أُريدُ سواك، لا شَيء حتى الجنّة! رغم كُلّ آلامي لم يدُلّني القدر ببريقٍ أُبَشّرُ مِنهُ أنّكَ ما زلتَ في الدُّنيا، يُطمئنني أنَّ جنّة الأرضِ ما زالَت عليها. لكنّه اللّه لا يَنسى، ويُجازي بعدَ سَبعَة عشرَ حوْلًا يا أخي، بُعِثتُ من مَوْتي أطيرُ بجناحَيَّ فَرَحًا، وأسرابٌ في مرابِعي تُزقزِقُ نَصرًا وحُبًّا، طَلَعَ علَيَّ العيدُ يا أخي، وأراكَ بعد غيابٍ لا يُروى! أُزَمّلُ روحي فِيك بشَغَف، وها أنا آتيك، لآخُذك بَيْنَ أضلُعي ليُشفى قلبي السّقيمُ ويُعفى من شَقاءِ البُعد، وبعدَ ذلك كُلّه، ألا تعرِفُني؟
أنا ابنُ أمِّك يا أخي، أنا الذي نتعتُ أثقالَ الأرض على صَدري في غِيابك، أنا الذي لم يَطلع علَيَّ بدرٌ بعدَ هِجرَتِك، أنا من لم يكْن لَهُ شمْسٌ ولا نجومٌ ولا سَماء، أنا شقيقُ روحك صدِّقني يا أخي، أنا الذي فُجِعتُ حتّى بعدَ لُقياك، حتى بِقُربِك آلامي تَفاقَمَت، أنا من عِشْتُ عُمرًا مُمِيتًا لِأجلِك، أخي إنني أتألّمُ كثيرًا الآن، هَلّا كَفْكَفتَني؟"
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق